فخر الدين الرازي

292

القضاء والقدر

ورابعها : إن من مشاهير الأخبار الربانية : أنه صلى اللّه عليه وسلم : حكى عن رب العزة أنه يقول : « ومن لم يرض بقضائي ، فليطلب ربا سواي » « 1 » . وأما الآثار فكثيرة : أحدها : قال أبو الدرداء : « المروءة أربع خلال : الصبر للحكم ، والرضاء بالقدر ، والإخلاص في التوكل ، والاستسلام للموت » وعنه أيضا أنه قال : « إن اللّه إذا قضى قضاء ، أحب أن يرضى بقضائه » وثانيها : عن عمران بن حصين أنه قال : ثلاث يدرك بهن العبد رغائب الدنيا والآخرة : « الصبر عند البلاء ، والرضا بالقدر ، والدعاء في الرخاء » وثالثها : روى محمد بن كعب : أن موسى عليه السلام قال : « أي ربي أي خلقك أعظم ذنبا ؟ » قال : « الذي يتهمني » قال : « أي ربي ، وهل يتهمك أحد ؟ » قال : « نعم الذي يستخيرني ولا يرضى بقضائي » ورابعها : قيل فيما أوحي اللّه تعالى إلى داود عليه السلام : « يا داود إنك لن تلقاني بعمل هو أرضى لي عنك ، ولا أحط لوزرك من الرضا بقضائي » . فثبت بهذه الوجوه : أنه لو كان الكفر بقضاء اللّه لكان الرضا به واجبا . وأما بيان أنه لا يجوز الرضا بالكفر والعصيان : فهذا أيضا مجمع عليه بين الأمة . ثم الدليل عليه : القرآن والخبر . أما القرآن : فهو أن الظالم يجب لعنه . لقوله تعالى : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 2 » وذلك ينافي وجوب الرضا بظلمه . وأيضا : فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب بأقصى الوجوه . وذلك يمنع من وجوب حصول الرضا بالكفر والفسق . وأما الخبر : فما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « الرضا بالكفر : كفر » « 3 » فثبت : أنه لو كان الكفر بقضاء اللّه ، لكان الرضا به واجبا ، وثبت : أن الرضا به غير واجب ، فوجب أن لا يكون الكفر واقعا بقضاء اللّه ولا بخلقه . وهو المطلوب . الحجة الثانية : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه كره لكم ثلاث : قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال » « 4 » ولما كانت هذه الأشياء الثلاثة مكروهة للّه تعالى ، وجب أن لا تكون مرادة له . لأن

--> ( 1 ) عزاه المناوي كما في الاتحافات السنية للبيهقي عن ابن عمر والطبراني وابن حبان عن أبي هند والبيهقي وابن النجار عن أنس . ثم عاد وعزاه لابن حبان والطبراني وأبي داود ابن عساكر عن أبي هند الداري ( ص 193 ) . وقد أورده الشيخ ناصر الدين الألباني في الأحاديث الضعيفة والموضوعة وقال : ضعيف جدا رواه ابن حبان في المجروحين 1 / 224 والطبراني في الكبير وأبو بكر الكلاباذي في مفتاح المعاني والخطيب في التخليص وابن عساكر . وقال الهيثمي في المجمع 7 / 207 فيه سعيد بن زياد بن هند وهو متروك وقال العراقي ( 3 / 296 ) : وإسناده ضعيف » سلسلة الأحاديث الضعيفة ( 2 / 3 ) . وانظر فردوس الأخبار ( 3 / 218 ) . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 44 . ( 3 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ في الكتب الحديثية المشهورة للصحيح والموضوع والضعيف . ( 4 ) حديث « إن اللّه كره لكم ثلاث . . » متفق عليه رواه البخاري في الزكاة باب قول اللّه تعالى لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً -